سيد محمد طنطاوي
99
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
في قولهما قوله : * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) * الآية « 1 » . وقوله * ( عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) * أي : على انقطاع من الرسل ، إذ الفترة هي الزمن بين زمنين ، ويكون فيها سكون عما يكون في هذين الزمنين . قال الراغب : الفتور سكون بعد حدة ، ولين بعد شدة ، وضعف بعد قوة . قال - تعالى - * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) * أي : سكون خال عن مجيء رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقوله يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ أي لا يسكنون عن نشاطهم في العادة » « 2 » . فأصل الفتور : السكون والانقطاع . يقال فتر عن عمله إذا انقطع عما كان عليه من الجد والنشاط . والمعنى : يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، يا من أنزل اللَّه - تعالى - الكتب السماوية على أنبيائكم لهدايتكم وسعادتكم ، ها هو ذا رسولنا محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد جاءكم لكي يبين لكم شرائع الدين ، والطريق الحق الذي يوصلكم إلى السعادة الدينية والدنيوية ، وذلك بعد انقطاع من الرسل ، وطموس من السبل ، وضلال في العقائد ، وفساد في الأفكار والمعاملات . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) * أي : بعد مدة متطاولة ما بين إرساله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبين عيسى ابن مريم . وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي ؟ فعن قتادة خمسمائة وستون سنة . وكانت هذه الفترة بين عيسى ابن مريم - آخر أنبياء بني إسرائيل - وبين محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق ، كما ثبت في « صحيح البخاري » عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « أنا أولى الناس بابن مريم ليس بيني وبينه نبي » وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له خالد بن سنان . والمقصود من هذه الآية ، أن اللَّه - تعالى - بعث محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على فترة من الرسل ، وطموس من السبل ، وتغير الأديان ، وكثرة عبّاد الأوثان والنيران والصلبان ، فكانت النعمة به أتم النعم « 3 » . وفي ندائه - سبحانه - لليهود والنصارى بقوله : * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ ) * تنبيه لهم إلى أن مصاحبتهم للكتاب وكونهم أهل معرفة ، يوجبان عليهم المبادرة إلى اتباع الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي بشرت بمبعثه كتبهم التي بين أيديهم ، والذي يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم . وإلا فسيكون
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 166 ( 2 ) المفردات في غريب القرآن ص 371 للراغب الاصفهاني ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 35